أحمد بن محمد ابن عربشاه
100
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فلما قضى الملك نحبه وأجاب ربه ، صعد على السرير ، وتمكن من الجليل والحقير ، وتشربت أضلاعه وعمرت بحب الحكومة والتسلط في دور طمعه رباعه « 1 » وابن أخيه في كفالته والممالك في إيالته « 2 » ، واستمر الصغير تحت نظره لا يفارقه في سفره ولا حضره ، يكتسب كل يوم مخايل السعادة ، ويطرح من حركاته شمائل السيادة ، ويظهر على أعطافه الملوكية يوما فيوما آثار الحسنى وزيادة ، إلى أن ارتفع قدرا وصار في الكمال هلالا وبدرا ، فشم عمه من رياض همته ، عرف الطلب وقوى في ذلك ما كان تقدم من سبب ، وعرف أنه لا بدّ له في ذلك من تسريحه ، فلو منعه لقام كل الخلق باستهجانه وتقبيحه ، فتحل عقوده ، وثقل جنوده ، ويختل عن عسكره بنوده ، وتفنى صورته وسيرته ، وينقض من حبل عمره مريرته « 3 » فلا يحصل من الملك إلا على الهلك ، فأعمل الكيد وخرج إلى الصيد ، فتفرقت العساكر وانفرد الملك الماكر ، ومعه ابن أخيه فاختلى به في تيه ، فوثب عليه وفجعه بكريمتيه « 4 » ، وألقاه في البرية إلى مخاليب المنية « 5 » ، وتركه وحيدا أعمى لا يجد دليلا ولا يهتدى سبيلا ، ولا يعرف مقرا ولا مقيلا . ثم اجتمع بعسكره ظانا أنه فاز بظفره ، مخبرا بوفاته وتعمية خبره ؛ ففرغ باله وأصلح رجاله ، واطمأن خاطره ، واستقرت أموره ، واستقامت حبوره . فلما هجم جيش اللّيل ، أقبلت السباع من الوادي كأنها السيل ، وقصدت الوحوش والهوام ما لها من مأوى ومقام ، وعوت الذئاب ، وزأرت الأسود ، وهمرت النمور والنسور والفهود ، فساورت ابن الملك الهموم ، وأورثته
--> ( 1 ) أي تمكن الطمع منه . ( 2 ) كنفه . ( 3 ) المريرة : الحبل الشديد القتل . والمعنى : أي أنزل به البلاء . ( 4 ) عينيه . ( 5 ) الموت والهلاك .